ابن عربي
206
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
من عند اللّه ، في الإيمان به - لا بالعمل بالحكم - ، فالشرائع كلها أنوار ، وشرع محمد صلّى اللّه عليه وسلم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب ، فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار
--> فإنه يستفهم بها كثيرا في الكلام المستأنف على كلام سبق ، فكأنه يقول : ما كنتم حاضرين ، فلم يبق إلا أن تعلموا ذلك من كتابكم أن يعقوب وإبراهيم كانا على اليهودية ، وأنتم تعلمون أن كتابكم ينطق بخلاف ما تزعمون ، وأنه قيل لكم : ( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فما أوصى إبراهيم بنيه الذي يعقوب منهم - فإنه ولد ولده - إلا بالملة الحنيفية وهو دين الإسلام ، فقولكم يناقض علمكم ، وقوله : « إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي » فأتى بما فإنها تنطلق على كل شيء بخلاف من ، فكأنه يقول : أي شيء تعبدون من بعدي ؟ وأما استفهامه بنيه لعلمه بأن قلوب الخلق بيد اللّه يقلبها كيف يشاء ، ولعلمه بأن أولاد الأنبياء قد يخرجون عن دين آبائهم ، وقد وقع هذا كله قبل يعقوب فيمن تقدم ، فأراد أن يرى ما يصرون عليه في قلوبهم بعد موته لينقلب مسرورا إن كان خيرا في جوابهم ، وإن سمع منهم غير ذلك فيدعو اللّه لهم - ما دام حيا - أن يجمعهم على الإسلام ، ولهذا قال « مِنْ بَعْدِي » فإنهم في هذا الوقت على دين أبيهم ، فقالوا : « نَعْبُدُ إِلهَكَ » أي نذل له بالطاعة لأمره ونوحده « وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ » تهمموا بتقديمه لما علموا من اصطفاء اللّه له بالخلة ، ولسنه ، ولأن ذلك مما يسر يعقوب ، وتلوه بإسماعيل ، فقالوا : « وَإِسْماعِيلَ » لأنه أسن من إسحاق ، وجعلوا العم هنا أبا فإن أبا يعقوب إسحاق ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : عم الرجل صنو أبيه ، فإن الأخوين من أب واحد كصنوان النخل « وَإِسْحاقَ » كل ذلك عطف بيان على « آبائِكَ » ثم قالوا : « إِلهاً واحِداً » لئلا يتوهم السامع الكثرة ، فهو بدل من إلهك وإله آبائك ، وقد قيل إن نصبه على الاختصاص ، أي نريد بقولنا إلهك وإله آبائك ، إلها واحدا « وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » منقادون لما يأمرنا به وينهانا عنه ، وإنما قدموا يعقوب بالذكر على آبائه لحضوره ، وللحاضر مزية على الغائب عند المخاطب ، وربما ذكروه بالقصد الأول على وجه الاقتصار عليه ، ثم إنهم لما ذكروه خطر لهم أن يذكروا آباءه ، ينبهوه أنك كما عبدت إله آبائك كذلك نحن نعبد ما كانوا يعبدون ، إذ كان شرع اسم الإسلام لإبراهيم ، ( 135 ) « تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ » الآية ، تدل هذه الإشارة أن واحدا منهم قال : إنه ينتفع بانتسابه إلى آبائه الذين كانوا مع الأنبياء المتقدمين على دينهم ، فرد اللّه ذلك بقوله : « تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ » أي انقضت مدتها وذهبت بعملها ، يقال خلى الرجل إذا صار إلى مكان ليس فيه غيره ، ومنه الخلوة والخلاء ، لانفراد الشخص فيه ، وقوله : « لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ » يؤيد من يقول إنه لا ينوب أحد عن أحد في